مجمع البحوث الاسلامية
512
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
بالنّار ، وهذا ظاهر في أنّه صار ذا لحم ودم ، وكذا ما في مصحف أبيّ وعبد اللّه ( لنذبّحنّه ثمّ لنحرّقنّه ) . وجوّز أبو عليّ أن يكون « نحرّق » مبالغة في حرق الحديد حرقا بفتح الرّاء ، إذا برده بالمبرد . ويؤيّد قراءة عليّ كرّم اللّه تعالى وجهه ، وحميد وعمرو بن فايد وأبي جعفر في رواية ، وكذا ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما ( لنحرقنّه ) بفتح النّون وسكون الحاء وضمّ الرّاء ، فإنّ حرق يحرق بالضّمّ مختصّ بهذا المعنى كما قيل . وهذا ظاهر في أنّه لم يصر ذا لحم ودم ، بل كان باقيا على الجماديّة . وزعم بعضهم أنّه لا بعد على تقدير كونه حيّا في تحريقه بالمبرد ؛ إذ يجوز خلق الحياة في الذّهب مع بقائه على الذّهبيّة عند أهل الحقّ . وقال بعض القائلين بأنّه صار حيوانا ذا لحم ودم : أنّ التّحريق بالمبرد كان للعظام ، وهو كما ترى . وقال النّسفيّ : تفريقه بالمبرد طريق تحريقه بالنّار ، فإنّه لا يفرق الذّهب إلّا بهذا الطّريق ، وجوّز على هذا أن يقال : إنّ موسى عليه السّلام حرقه بالمبرد ثمّ أحرقه بالنّار . وتعقّب بأنّ النّار تذيبه وتجمعه ولا تحرقه وتجعله رمادا ، فلعلّ ذلك كان بالحيل الإكسيريّة ، أو نحو ذلك . ( 16 : 257 ) الطّباطبائيّ : أي أقسم لنحرّقنّه بالنّار ثمّ لنذرينّه في البحر ذروا . وقد استدلّ بحديث إحراقه على أنّه كان حيوانا ذا لحم ودم ، ولو كان ذهبا لم يكن لإحراقه معنى . وهذا يؤيّد تفسير الجمهور السّابق أنّه صار حيوانا ذا روح بإلقاء التّراب المأخوذ من أثر جبريل عليه . لكنّ الحقّ أنّه إنّما يدلّ على أنّه لم يكن ذهبا خالصا ، لا غير . وقد احتمل بعضهم أن يكون ( لنحرقنّه ) من حرق الحديد ، إذا برده بالمبرد ، والمعنى : لنبردنّه بالمبرد ثمّ لنذرينّ برادته في البحر ، وهذا أنسب . ( 14 : 198 ) مكارم الشّيرازيّ : هنا يأتي سؤالان : الأوّل : أنّ جملة لَنُحَرِّقَنَّهُ تدلّ على أنّ العجل كان جسما قابلا للاشتعال ، وهذا يؤيّد عقيدة من يقولون : إنّ العجل لم يكن ذهبيّا بل تبدلّ إلى موجود حيّ ، بسبب تراب قدم جبرئيل . ونقول في الجواب : إنّ ظاهر جملة جَسَداً لَهُ خُوارٌ هو أنّ العجل كان جسدا لا روح فيه ، كان يخرج منه صوت يشبه خوار العجل بالطّريقة الّتي قلناها سابقا . أمّا مسألة الإحراق فمن الممكن أن تكون لأحد سببين : أحدهما : أنّ هذا التّمثال لم يكن ذهبيّا خالصا ، بل يحتمل أنّ الخشب قد استعمل في صنعه ، وطلي بالذّهب . والآخر : أنّه على فرض أنّه كان من الذّهب فقط ، فإنّ إحراقه كان للتّحقير والإهانة وتعرية شكله الظّاهريّ وإسقاطه ، كما تكرّر هذا الأمر في تماثيل الملوك المستكبرين الجبابرة في عصرنا . بناء على هذا فإنّهم بعد حرقه كسروه قطعا صغيرة بآلات معيّنة ، ثمّ ألقوا ذرّاته في البحر . والسّؤال الآخر هو : هل كان إلقاء كلّ هذا الذّهب في البحر جائزا ، ولم يكن يعدّ إسرافا ؟ والجواب : قد يكون مثل هذا التّعامل مع الأصنام واجبا في بعض الأحيان ، إذا أريد منه تحقيق هدف أهمّ وأسمى ، كتحطيم وسحق فكرة عبادة الأصنام ، لئلّا يبقى